نحو ميثاق اجتماعي جامع لأبناء الداخل الفلسطيني.. أساسات العقد الاجتماعي

نحو ميثاق اجتماعي جامع لأبناء الداخل الفلسطيني.. أساسات العقد الاجتماعي
2/11/2019
بقلم : صالح لطفي
 

 

الميثاق الاجتماعي كما أراه هو تلكم التعاقدات التي يتفق عليها أبناء المجتمع الواحد داخل الحيز الذي يعيشون “التجمعات السكنية” وتكون مخصوصة قدر الامكان بمجتمع تلكم البلدة، فيما العقد الاجتماعي هو تلكم المواثيق والعهود التي تعتمدها الهيئات السياسية والمجتمعية في الداخل الفلسطيني بعد تشاور فيما بينها متجاوزة خلافاتها الايديولوجية والعقدية والحزبية والسياسية لصالح المجتمع ذاته، منطلقة في هذا العقد من قاعدة أخلاقية لا يستطيع أي تنظيم سياسي أو اجتماعي تجاوزها أو مخالفتها ورسم هذه القاعدة أنَّ مصلحة الداخل الفلسطيني مقدمة على مصالح الاحزاب والهيئات والتنظيمات والاحزاب والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني وبالطبع مقدمة على مصالح الافراد والعائلات والتكتلات وعلى المكونات الحمائلية والعشائرية.

 

مقصود العقد الاجتماعي

 

لست هنا في مزايلات مع الفلاسفة والفلسفة وأقوالهم ونظرياتهم فيما يتعلق بمفهوم العقد الاجتماعي أبستمولوجيا “مفاهيميا” ولا مع تطوراته التقنية كما الحالتين الاوروبية والمغاربية، حيث وصلت تلكم البلدان إلى حالة راقية من إقرار عقد اجتماعي بين المواطنين عموما والسلطة يفضي الى متابعات ومراقبات تُدخلُ عليه تغييرات باستمرار تخدم مصلحة المجتمع والسلطة على حد سواء، بل انطلق في تعريفاتي للعقد الاجتماعي من ثلاثة حقائق نعيشها نحن أبناء الداخل الفلسطيني، لا توجد عندنا هيئة سياسية عليا تنظم حياتنا اليومية ومن ثم الاجتماعية والسياسية كما هو الحال في المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع وحتى في القدس، أو المجتمع الاسرائيلي إذ بوجود هذا الناظم تستقيم الكثير من أمور الحياة وفي مقدمتها قطع دابر العنف على كل أنواعه ومنها الجريمة المنظمة. وثانيا رغم وجود هيئة عليا ناظمة ولو “بيانيا” لمجتمعنا سياسيا ممثلة بلجنة المتابعة العليا، الا أن هذه الهيئة لا تدعو لئن تكون جسما تمثيليا ناظما متفق عليه حتى هذه اللحظات، فالمتابعة الى يومنا هذا جسم توافقي لا يملك القرار وإنفاذه الا بموافقة جامعة للمكون السياسي لهذه اللجنة، وثالثا يعيش مجتمعنا حالة من الاختراق السياسي الاسرائيلي والحداثة الاسرائيلية التي باتت تحط رحالها في مجتمعاتنا العربية، وما العنف المستشري بيننا إلا من آثار تلكم الحداثة الغازية – طبعا هناك اسباب جوهرية اخرى ذات صلة مباشرة بوضعنا نحن كمجتمع وصيروراته- بحيث يخلق هؤلاء المخترقون أشكالا سياسية وثقافية وافدة ودخيلة تريد موضعة ذاتها كجزء حي من مجتمعنا والحقيقة انها خلايا سرطانية ستفتك بالمجتمع وتنهيه.

 

نقصد بالعقد الاجتماعي الذي نؤسس عليه مواثيقنا الاجتماعية المحلية (كل في بلده) تلكم القيم الاجتماعية والاخلاقية التي تكون مشتركة بين أكبر عدد ممكن من مجتمعنا العربي الفلسطيني، بحيث تكون هذه القيم المشتركة أساسا يتشكل حولها مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل الفلسطيني وهذا العقد تتفق عليه الهيئات الفاعلة في المجتمع بعد النظر اليه والوصول به الى الاتفاق الجامع الذي يؤكد مصلحة المجتمع ابتداء وانتهاء.

 

والعقد لغة كما في لسان العرب: نقيض الحَلِّ والعقد العهد ففي حديث ابن عباس في قوله تعالى: والذين عاقَدَت أَيمانُكم؛ المُعاقَدَة: المُعاهَدة والميثاق والعَقْد العهد، والجمع عُقود، وهي أَوكد العُهود، والمعاقدة: المعاهدة. وعاقده: عهده. وتعاقد القوم: تعاهدوا. وقوله تعالى: يا أيُها الذين آمنوا أَوفوا بالعُقود؛ قيل: هي العهود، وقيل: هي الفرائض التي أُلزموها؛ قال الزجاج: أَوفوا بالعُقود، خاطب الله المؤمنين بالوفاءِ بالعقود التي عقدها الله تعالى عليهم، والعقُودِ التي يعقِدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين. والعَقِيدُ: الحَليفُ..

 

قال أَبو خراش الهذلي: كم مِن عَقِيدٍ وجارٍ حَلَّ عِنْدَهُمُ….. ومِن مُجارٍ بِعَهْدِ اللهِ قد قَتَلُوا. وعَقَدَ البِناءَ بالجِصِّ يَعْقِدُه عَقْداً: أَلْزَقَهُ. والعَقْدُ ما عَقَدْتَ من البِناءِ، والجمع أَعْقادٌ وعُقود. وفي مقاييس اللغة: وعاقَدته مثل عاهدته، وهو العَقْد والجمع عُقود. قال الله تعالى: أوْفُوا بالعُقود (المائدة 1)، والعَقْد: عَقْدُ اليمين، (ومنه) قوله تعالى: ولكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ (المائدة 89)..

 

القيم الناظمة للعقد الاجتماعي

 

القيم: هي مجموعة العقائد والتصورات المنبثقة من ديننا الحنيف وشرعنا الكريم ومورثنا الحضاري برسم أننا مسلمون، وتتحول هذه القيم إلى أسلوب حياة تحدد لنا تصوراتنا اتجاه الوجود عموما وتكون الإطار المرجعي الاعلى لسلوكياتنا وحيواتنا. والقيم في تصوري تتغذى من أربعة ينابيع: الينبوع العقدي والينبوع الغائي والينبوع الاخلاقي واخيرا السلوكي، ونعني بالينبوع العقدي أن وجودنا متعلق بديننا والفلسفة القائمة عليه مؤسسة على اساس من هذه العقيدة الحاثة على الايمان والعمل الصالح وعمارة الأرض، فيما الغائية هنا أعني بها الغاية من وجودنا بناء على مدماكنا العقدي هو عبادة الله تعالى ونحن هنا نفهم العبادة بمفهومها القرآني المصدر الاول والأساس للتشريع الذي يطالبنا بأنواع مختلفة من العبادة تربطنا بالخالق المتعال وتدفعنا لعمارة الارض وتشييد الحضارة عليها، وأعني بالأخلاق السجايا والطباع والآداب، وقد قال الغزالي “الخُلُق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تَصدُر الأفعال بسهولة ويُسرٍ من غير حاجة إلى فِكْر”… فحينما نمارس قيمة أخلاقية تشعرنا بالرضا الداخلي فذلك من الاخلاق، وحينما لا نشعر بالرضى بل بالذنب فذلك دليل على أن الضمير حيُّ وتلكم هي الخلاق. وللتمثل على ما أقول نضرب مثالا على العفة إذ العفة بالاقتصاد تقضي رفع اليد عن المال العام ورفض أدوات الحرام كالخاوة والاتجار الحرام وسلب المال العام، والعفة في الفروج أن نرى بالزنا حراما وفسادا ومؤديا الى الدمار المجتمعي واختلاط الانساب وضياعها، وأن نرى في دعاة المثلية ومن يطلقون شعار جسدي هويتي وحياتي مرضى يجب علاجهم وليسوا أصحاب حقوق لمجرد انهم انحرفوا عن الجادة وخلدوا الى ما هم فيه من رذيلة وانحطاط، والعفة في السلطة ان تمارسها وفقا لمبادئ شورية وديموقراطية فبمثل هذا الشعور نحفظ القيم من الاندثار ونثبت القيم والأخلاق.

 

وفيما يتعلق بوعائنا السلوكي فإنه يكون من حيث المبدأ مؤسس على ما سبق من اعتقاد وغائية وأخلاق أذ تتسم تصرفاتنا وسلوكياتنا وفقا لما ذكرت فتكون منضبطة انضباطا عفويا بمسطرة موجودة في اللاوعي توجهنا بناء على تلكم المنظومة ليتوافق السلوك معها وبذلك فنحن نحمي ونقوي تلكم القيم التي ستكون مشتركة فيما بيننا ويوم تتحول سلوكياتنا على مثل هذا النحو فستختفي الجريمة والعنف والفوضى لتسود قيم الاخوة والمحبة والتغافر والتناصح التي هي في جوهرها سلوكا يكشف عمق تجذر القيم الانفة الذكر وللبيان والتوضيح فيوم نعتبر الخمر مثلا حراما ولكن في عالم السلوك نمارس غير ما نعتقده فإن هذا يضعف العقيدة والغاية والاخلاق ويجعل فاعلها في مهب الريح ويهدد عمليا هذه القيم القائدة ويوم نمارس الخاوة او الرباب ونحن نعتقد حرته فنحن نعيش في تناقض بين السلوك والاخلاق ونهدد الينابيع الاربعة القائدة للقيم ونتحول الى اشياء يكمن عندئذ لكل فكر وافد أي كان انحطاطه وسفالته ان يصبح بيننا تجارة رائجة ورابحة.

 

خريطة القيم القائدة وأصولها:

 

عمليا القيم هي الاساس المحرك لنهضة كل أمة سواء اختلفنا أو اتفقنا مع هذه القيم ولا أخال أمة على الارض تقدمت بالحياة دون أن تؤسس منظومة قيمية توافرت اسباب قبولها وارتضائها والعمل بمقتضايتها في تلكم المجتمعات، وكل مجتمع تنكب لقيمه التي بها تقدم وساد اندثر وتراجع الى ارذل قوائم الامم والشعوب.

 

في تصوري ان القيم القائدة لمجتمعاتنا المسلمة عموما ونحن في الداخل الفلسطيني قائمة على مجموعة من حزمة القيم الاسلامية وانا الخصها بحزمة التوحيد وحزمة العبودية وحزمة العمل فحزمة التوحيد تتعلق بالالوهية والربوبية والاسماء والصفات وأثارها النازلة على الفرد والمجتمع وحزمة العبودية تتعلق بالعبادات والعلاقات الاجتماعية الخاصة والعامة وحزمة العمل المتعلقة بصناعة الحياة والتقدم بها على اساس من منظومة الينابيع التي ذكرت أنفا وهذه الحزمة تتداخل فيها قيم الوقت والاخلاص في العمل والاتقان فيه والوقت وحسن التصرف وقيمة النظام .وأضيف اليها حزمة رابعة تتأتى مما سبقت وهي حزمة القيم الانسانية التي من الواجب ان نتحلى بها كمسلمين وفيها قيم مركزية كقيمة الحرية والعدل والرحمة والكرامة والعفة والسلام وبهذه القيم الاساسية تستقيم حياة الناس عموما وتتداخل حيواتهم. وكل ما ذكرت سابقا يعتمد أصولا خمسة تلهمنا وتمضي بنا قُدُما نحو حياة أفضل وأجود وأحسن. وهذه الاصول كما اراها: ذات الله تعالى وما يتعلق بها من اسماء وصفات فيوم تتشبع قيمنا بذات الله تتحول حياتنا الى افضل حياة، والاصل الثاني سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ سيرته التجلي الاعطر لتلبس القيم المتجلية من ذات الله، والاصل الثالث باحتكامنا الى شرعنا الحنيف والاعتزاز بهذا الشرع، ويرتبط به العُرف وما له من دور في مسائلنا الشرعية الناظمة لحياتنا اليومية وتقلباتها والمتغيرات الحادثة، والاصل الرابع اعتماد العقل واشغاله في تطوير حيواتنا اذ العقل كما يعلم الجميع من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها ( الدين والعقل والنفس والنسل والمال).

 

 

 
   

للمزيد : أرشيف القسم